تعتمد الأمم المتحدة، شأنها شأن العديد من المؤسسات الدولية ذات الطابع الحكومي والأممي، مجموعة من الآليات التحفيزية الهادفة إلى تشجيع الدول والمؤسسات الوطنية على الإمتثال لمعايير حقوق الإنسان. وتندرج ضمن هذه الآليات بعض التعيينات والعضويات الفخرية والجوائز التي لا تُمنح بالضرورة بوصفها حصيلة أداء مؤسسي فعلي أو نتائج ملموسة على أرض الواقع، بل غالبًا ما تكون ثمرة توازنات دبلوماسية، أو تصويت بين الدول، أو توافقات بين بعثات دائمة وتحالفات إقليمية….
وانطلاقًا من هذا الفهم المؤسسي، فإن توصيف بعض هذه التعيينات باعتبارها “إنجازًا” بالمعنى الحقوقي أو المهني الدقيق يظل محل نقاش مشروع. فالمعيار الموضوعي للإنجاز، في السياق الحقوقي، لا يُقاس بالمناصب أو الألقاب، بل بمدى كفاءة المؤسسة المعنية في حماية حقوق الإنسان، وتعزيز مبدأ المساءلة، والإسهام الجاد في إنهاء الإفلات من العقاب….
تُناط بالأمانات العامة للتظلمات في الدول، من حيث المبدأ، مهمة تعزيز سيادة القانون وترسيخ آليات المساءلة والحوكمة الرشيدة، باعتبارها ركيزة أساسية ضمن منظومة العدالة الجنائية وآليات الانتصاف الوطنية المستقلة. ووفقًا لاختصاصاتها المعلنة في *موقعهم الإلكتروني يتمثل دور الأمانة العامة للتظلمات في البحرين في تلقي الشكاوى المتعلقة بالاعتداءات والانتهاكات التي قد يرتكبها منتسبو الأجهزة الأمنية، لا سيما في أماكن الاحتجاز، إضافة إلى (طلب المساعدة) في معالجة قضايا تتصل بالحق في الصحة والتعليم والزيارات وغيرها من الحقوق الأساسية للمحتجزين.
إلا أن التقييم الموضوعي لأداء الأمانة العامة للتظلمات، استنادًا إلى رصد ميداني منذ سنوات طويلة وحتى هذا العام وتواصل مباشر مع الضحايا، وإلى إفادات مؤسسات حقوقية مستقلة، بما فيها مؤسسات دولية، يكشف عن إخفاقات جسيمة في الاستجابة لمعظم الشكاوى المقدمة إليها. فقد فشلت المؤسسة في معالجة عدد كبير من الطلبات المتعلقة بسوء المعاملة و التعذيب أو التعليم الجامعي و الإفراج المؤقت عن السجناء عندما يتوفى احد اقربائه من الدرجة الأولى، كما أخفقت في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في جميع القضايا التي تابعتها الجهات الحقوقية، والتي تجاوز عددها مائة حالة موثقة من بينها قضية حديثة للطفل حسين مهدي الذي تعرض للضرب ولسوء المعاملة في سجن الحوض الجاف و تم توثيق القضية في التظلمات,كما تُعد قضية علي داوود، ضحية التعذيب في سجن جو، من أحدث حالات سوء المعاملة في سجن جو في نوفمبر العام الماضي ، والتي لم تحصل على إهتمام او متابعة لدى الأمانة العامة للتظلمات مما اثار الشكوك و عزز الاحباط حول مدى التزامهم بالدور الذي على اساسه تم انشاء هذة المؤسسة وهو الأمر الذي يوكد صحة مخاوف خبراء الأمم المتحدة الذين اصدرو بيان حول الاوضاع القاسية التي يعيشها السجناء في سجن جو المركزي و سط اخفاق الأمانة العامة للتظلمات في تحسين أبسط حقوق السجناء و المكفولة ضمن القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء
ويُلاحظ أن الاستجابات الإيجابية القليلة التي سُجلت في بعض الملفات مثل الحرمان من العلاج و ارتبطت بطلبات من مؤسسات حقوقية و برلمانات او هيئات حكومية غربية خارجية، ولا سيما متابعة نواب في البرلمان البريطاني، واهتمام من وزارة الخارجية البريطانية، وتواصل مباشر من هؤلاء النواب مع الأمانة العامة للتظلمات. ويعزز هذا النمط من التفاعل مخاوف جدية من أن تكون المؤسسة أكثر انشغالًا بتحسين صورتها الدولية والاستجابة للضغوط الدبلوماسية، بدلًا من الاضطلاع بدورها الأصيل في إنصاف الضحايا وحمايتهم ومساعدتهم
كما تثير بيانات المؤسسة الصادرة عقب زياراتها الميدانية لأماكن الاحتجاز مزيدًا من القلق، إذ غالبًا ما تعيد إنتاج سردية الجهات الأمنية، دون تقديم تقييم مستقل أو نقدي للانتهاكات الموثقة. ويزيد من حدة هذه الشكوك أن التقرير السنوي للأمانة العامة للتظلمات لا يُتاح للرأي العام، بل يُرفع حصريًا إلى وزير الداخلية، رغم أن الأخير يتحمل مسؤولية مباشرة عن عدد من الانتهاكات الحقوقية التي كانت محل إدانات دولية، ومطالبات حقوقية بتطبيق آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك قانون ماغنستكي
إن الإشكال الجوهري لا يقتصر على الممارسة، بل يمتد إلى البنية المؤسسية ذاتها. فآلية تعيين أعضاء الأمانة العامة للتظلمات من قبل السلطة التنفيذية، ممثلة بوزير الداخلية، بدلًا من تعيينهم عبر السلطة التشريعية ( البرلمان ) كما هو معمول به في النماذج الديمقراطية، إلى جانب غياب الاستقلال المالي، وعدم كفاءة اعضائها و غياب اسهاماتهم الحقوقية و المجتمعية و افتقار شخوص الأعضاء الى اي مصداقية مجتمعية في مجال حقوق الإنسان كلها عوامل أفضت إلى تضارب واضح في المصالح. وقد أسهم ذلك في إفراغ المؤسسة من مضمون استقلالها، وتحويلها تدريجيًا إلى كيان أقرب إلى أداة علاقات عامة، ينشغل باستقبال الوفود البرلمانية الأجنبية، والسعي إلى المناصب والاعترافات الدولية، بدلًا من العمل الجاد على تعزيز مبدأ الانتصاف القانوني وتفعيل آليات المحاسبة الوطنية .
وعليه، فإن توصيف التعيين الدولي محل النقاش بوصفه “إنجازًا” لا يستند إلى تقييم موضوعي للأداء الحقوقي للمؤسسة، بقدر ما يندرج ضمن سياق تشجيعي وبروتوكولي، يعكس اعتبارات سياسية ودبلوماسية، أكثر مما يعكس نتائج ملموسة في حماية حقوق الإنسان أو ترسيخ العدالة وسيادة القانون.
*باحث حقوقي وعضو الهيئة الاستشارية في منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان