تقرير يوثق الإجراءات القمعية الأخيرة للسلطة البحرينية ضد المعارضة السلمية والطائفة الشيعية

البحرين: استكمال “المهمة الفاشلة”
تقرير يوثق الإجراءات القمعية الأخيرة للسلطة البحرينية ضد المعارضة السلمية والطائفة الشيعية

إحداثيَّات القمع الجديدة:
1. في آخر تقرير حقوقي لها، تحت عنوان “المهمة الفاشلة: شطب المعارضة من الوجود”، قالت جمعية الوفاق (كبرى جمعيات المعارضة) أن السلطة البحرينية قادت حملة شرسة لتقييد حرية التعبير والتجمع السلمي خلال العام 2015، وذلك لمعاقبة قوى المعارضة على موقفها الموحَّد لمقاطعة الانتخابات النيابية في نوفمبر 2014، و”لخَلْق انطباع غير حقيقي للمراقبين في الخارج بأن الحراك السياسي المعارض قد انتهى”. ورغم ما يزعمه التقرير من فشل السلطة البحرينية في إقناع المراقبين بانتهاء المعارضة، إلاَّ أنه عكس مخاوف جديَّة من تمادي السلطة للقيام بمزيد من الخطوات التي يمكن أن تفاقِم من تدهور حالة حقوق الإنسان.
2. لم يمضِ شهر على إصدار تقرير الوفاق، حتى بدا أن السلطة البحرينية تستكمل “مهمتها الفاشلة” في شطب المعارضة عبر سلسلة من الإجراءات القمعية، تمثلت، بادئ ذي بدء، في تغليظ عقوبة الأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان، حيث قضت محكمة استئنافية، في تاريخ 30 مايو 2016، بسجنه لمدة 9 سنوات بدلاً من 4 سنوات، بتهم “الترويج لإسقاط النظام بالقوة”، و”إهانة هيئة نظامية”، و”التحريض على عدم الانقياد للقوانين”، و”ازدراء طائفة من الناس”، وذلك بسبب خطابات ألقاها على مدار عامين، منذ العام 2012 حتى العام 2014.
3. إلى تاريخ 13 يونيو 2016، قامت السلطة البحرينية باعتقال الناشط الحقوقي البارز ورئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان نبيل رجب، وذلك بسبب آراء نشرها على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) بشأن الحرب على اليمن واضطرابات سجن جو التي وقعت في 10 مارس 2015. ويأتي اعتقال رجب بعد حوالي سنة من الإفراج عنه بعفو ملكي في قضية أخرى تتعلق بالكتابة في موقع التواصل الاجتماعي (توتير) أيضاً.
4. وقبيل اعتقال رجب حتى كتابة هذا التقرير، مُنْع العديد من النشطاء من السفر للخارج دون أسباب واضحة. وكان من أبرز أولئك الوفد الأهلي الذي كان ينوي المشاركة في الدورة الـ 32 لمجلس حقوق الإنسان. وحين قام بعض أولئك النشطاء بمراجعة إدارة شؤون الجنسية والجوازات والإقامة أو النيابة العامة أُبلوغوا بعدم وجود أي قرار أو حكم قضائي يمنعهم من السفر.
5. في تاريخ 14 يوينو 2016، صعَّدت السلطة البحرينية وتيرة إجراءاتها القمعية من خلال رفع وزارة العدل دعوى مستعجلة لحل جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، وذلك لما زعمته من قيام الجمعية بممارسات “استهدفت ولا زالت تستهدف مبدأ احترام حكم القانون وأسس المواطنة المبنية على التعايش والتسامح واحترام الآخر، وتوفير بيئة حاضنة للإرهاب والتطرف والعنف، واستدعاء التدخلات الخارجية في الشأن الوطني الداخلي”. الأمر الذي أدَّى إلى صدور حكم قضائي مستعجل “بغلق مقارِّها والتحفظ على أموالها وتعليق نشاطها”؛ ولاحقاً صدر حكم ابتدائي “بحل الجمعية، وتصفية أموالها وأيلولتها خزينة الدولة”.
6. وفي ذات اليوم، صدر قرار عن وزير العمل والتنمية الاجتماعية بحل جمعيتي الرسالة والتوعية الإسلامية الشيعيَّتان، بزعم تورطهما في “وقائع تشكل جرائم تلقِّي وجمع أموال بطرق غير مشروعة على خلاف أحكام القانون، وجرائم غسل الأموال”.
7. واستتباعاً لتلك الإجراءات القمعية، عمدت السلطة البحرينية، في تاريخ 17 يوينو 2016، إلى منع الشيخ محمد صنقور من أداء صلاة الجُمُعة في مسجد الإمام الصادق(ع) بمنطقة الدراز، الذي تُعقد فيه أكبر صلاة جُمُعة للطائفة الشيعية في البحرين، وهو المسجد الذي كان آية الله الشيخ عيسى قاسم (الذي يعدُّ أكبر علماء الطائفة الشيعة وزعيمها الروحي) يؤدي فيه الصلاة قبل توقُّفه لأسباب صحية.
8. إلى تاريخ 20 يونيو 2016، بدا أن السلطة البحرينية قد بلغت ذورة حملتها القمعية عبر تجريد آية الله قاسم من جنسيته بمرسوم ملكي، بعد أن اتهمته وزارة الداخلية “بتأسيس تنظيمات تابعة لمرجعية سياسية دينية خارجية” و”خلق بيئة طائفية متطرفة”، وعمله “على تقسيم المجتمع تبعاً للطائفة”. ويأتي تجريد آية الله قاسم من جنسيته في سياق زعم النيابة العامة من أن التحريات قد كشفت تورُّطه قضايا تلقِّي وجمع أموال بطرق غير مشروعة وجرائم غسل الأموال، التي تواجهها جمعية التوعية الإسلامية.
9. وإلى جانب بتجريد آية الله قاسم من جنسيته، فإن السلطة البحرينية أسقطت الجنسيَّة عن 71 مواطناً منذ بداية العام 2016، جنباً إلى الحالات التي رَصْدتها (سلام) في تقارير سابقة. وطبقاً لإحصاءات (سلام)، فإن عدد الحالات المسقطة جنساتهم منذ العام 2012 حتى العام 2016 قد بلغ 331 حالة حتى كتابة هذا التقرير.
10. إزاء تلك التطورات الميدانية، استشعرت الطائفة الشيعية بتصاعد وتيرة استهدافها، حيث بدا أن السلطة تجاهر بضرب مؤسساتها السياسية والدينية وزعيمها الروحي، فقامت بتعطيل صلوات الجُمُعة لأجل غير مسمَّى، “لعدم توفُّر أجواء الأمن”، حسب ما جاء في بيان أصدره جمع من علماء الطائفة. وإلى تاريخ 15 يوليو 2016، عادت صلاة الجُمُعة في مسجد الإمام الصادق(ع) بمنطقة الدراز، وعادت الصلوات، مجدداً، إلى كافة المساجد، إلاَّ أنه سرعان أقدمت السلطة على اعتقال الشيخ محمد صنقور، في تاريخ 17 يوليو 2016، ثم أفرجت عنه بعد يوم واحد من احتجازه، ووجهت إليه تهمتا “التحريض على كراهية النظام” و”ممارسة الخطابة بدون تصريح”؛ ومنذ تاريخ 22 يوليو 2016، منعته من دخول منطقة الدراز لإقامة الصلاة.
11. وحتى كتابة هذا التقرير، اعتصمت أعداد غفيرة من المسلمين الشيعة في محيط منزل آية الله قاسم، في منطقة الدراز، احتجاجاً على تجريده من الجنسية. ورداً على ذلك، قامت السلطة بمحاصرة منطقة الدراز لمنع وصول المحتجين إليها، كما اشتكى أهالي منطقة الدارز من ضعف خدمة الإنترنت، وتضرُّر المحلات التجارية فيها، وذلك حسب ما وثقته (سلام). كما صاحب ذلك موجة من استدعاء واعتقال العشرات من خطباء علماء وأفراد الطائفة الشيعية وتوجيه تهم لهم بالتجمهر والمشاركة في ذلك الاعتصام، أو لتهم تتعلق بالكتابة في وسائل التواصل الاجتماعي.
12. وبتاريخ 30 يوليو 2016، أُعلن عن مقتل حسن جاسم الحايكي تحت وطأة التعذيب داخل السجن، وذلك بعد 25 يوماً من اعتقاله على خلفية اتهامه في المشاركة في تفجير بمنطقة العكر الشرقي الذي قالت السلطة البحرينية انه تسبب بمقتل المواطنة فخرية مسلم في مطلع يوليو 2016.
13. ومن المثير للدهشة، أن السلطة البحرينية، في تاريخ 9 مايو 2016، كانت تحتفل بتنفيذ توصيات لجنة البحرينية لتقصي الحقائق، على خلفية قمعها للاحتجاجات الشعبية في فبراير 2011 -وهي التوصيات التي لطالما زعمت السلطة تنفيذها، بشكل جزئي أو كلي، طوال الخمس السنوات الماضية- وهو أمر نفاه رئيس اللجنة السيد محمود شريف بسيوني.
14. لقد برَّرت السلطة البحرينية إجراءاتها القمعية الأخيرة بأنها لـ “حفظ الأمن وتعزيز الاستقرار”، وأنها تأتي تطبيقاً للقانون؛ إلاَّ إن مسار الأحداث يعكس مدى الرغبة الجامحة لدى السلطة للقضاء على المعارضة بشكل تام، ولا يبدو أنه منسجم، على الأقل، مع مقررات الأمم المتحدة التي صادقت عليها البحرين، طبقاً للمعلومات التي يعرضها هذا التقرير:
تكميم أفواه النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان:
15. تغليظ عقوبة الأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان:
15.1. يمكن القول أن تدحرُج كرة الحملة القمعية الأخيرة بدأ من حَدَثِ تغليظ عقوبة الأمين العام لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية في تاريخ 30 مايو 2016. إذْ كان من المتوقع أنَّ السلطة البحرينية إنْ لم تلجأ إلى تخفيف عقوبة سلمان، فإنها لن تذهب إلى تغليظها، على الأقل لتخفيف حدة انتقادات المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية،إلاَّ أن السلطة بدت غير مكترثة ألبتة.
15.2. لقد اعتقل سلمان بتاريخ 28 ديسمبر 2014، بعد أيام من إعادة انتخابه أميناً عاماً لجمعية الوفاق، حيث وجهت له النيابة العام 9 تهم استقرت فيما بعد على أربع منها: الترويج لإسقاط النظام بالقوة، وإهانة هيئة نظامية، والتحريض على عدم الانقياد للقوانين، وازدراء طائفة من الناس، وذلك في خُطَب ألقاها منذ العام 2012 حتى العام 2014.
15.3. وفي تاريخ 16 يوينو 2015م، أصدرت المحكمة الكبرى الجنائية حكماً ابتدائياً بحبس الشيخ علي سلمان 4 سنوات بعد إدانته بتهم التحريض على بغض طائفة، وعدم الانقياد للقوانين، وإهانة وزارة الداخلية، بينما برّأته من تهمة الترويج لإسقاط النظام بالقوة.
15.4. وإلى تاريخ 30 مايو 2016، قضت محكمة الاستئناف العليا “بإلغاء الحكم المستأنَف وبمعاقبة الشيخ علي سلمان بالسجن لمدة 7 سنوات مما أسند إليه عن التهم الأولى (إسقاط النظام بالقوّة) والثانية (بُغض طائفة) والثالثة (عدم الانقياد للقوانين) وتأييد الحكم المستأنَف فيما عدا ذلك (أي تأييد حكم الحبس سنتين عن تهمة إهانة هيئة نظامية).
15.5. منذ إحالة الشيخ علي سلمان إلى المحاكمة بتاريخ 28 يناير 2015، حتى تغليظ عقوبته في 30 مايو 2016، شابت محاكمته العديد من المخالفات التي اعتبرها محاموه مخلة بالضمانات في حصوله على محاكمة عادلة. حيث أشار المحامون إلى أن الاتهام الموجه إليه بُني على تقطيع أوصال خُطَبه وحَذْف كلماته وفقرات منها لإظهار خطابه على خلاف حقيقته، كما رفضت المحكمة الجنائية (درجة أولى) طلب المحامين بعرض الخطب التي تستند إليها النيابة في التهم الموجهة له، وحتى حين قبلت محكمة الاستئناف عرض الخطب، اسمتعت إليها في مرحلة متأخرة جداً من المحاكمة، وكانت مجرد مقتطعات لأقواله. وهذا ما دفع الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي في الأمم المتحدة لاعتبار اعتقال سلمان تعسفياً، وطالب بالإفراج الفوري عنه.
16. اعتقال الناشط نبيل رجب وإجبار زينب الخواجة على الرحيل:
16.1. أعتقل رجب بتاريخ 13 يونيو 2016، بشكل مفاجئ؛ وفي وقت لاحق قالت محاميته أن سبب اعتقال رجب، “بسبب تغريدات على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) متعلقة بأحداث سجن جو وحرب اليمن”، نشرها في مارس 2015.
16.2. ويأتي اعتقال رجب، بعد حوالي سنة من الإفراج عنه بعفو ملكي في قضية حُكم فيها بالسجن لمدة 6 أشهر لنشره آراء على موقع التواصل الاجتماعي (توتير) تنتقد وزارتي الداخلية والدفاع في العام 2014.
16.3. وقبيل اعتقال رجب، قالت الناشطة الحقوقية زينب الخواجة “أنها اضطرت لمغادرة البحرين إلى الدنمارك بعد 11 يوماً من إفراج السلطة البحرينية عنها لاسباب انسانية”. حيث “تم تهديدها بأنه سيتم اعتقالها مجدداً إن لم تترك البلد”.
16.4. يشار إلى أن اعتقال الخواجة يأتي خلفية صدور عدة أحكام بسجنها لمدة 3 سنوات في قضايا تتعلق بحرية التعبير أبرزها “تمزيق صورة الملك” و”إهانة ضابط شرطة”.
17. منع النشطاء ومدافعي حقوق الإنسان من السفر:
17.1. منذ تاريخ 10 يونيو 2016 حتى كتابة هذا التقرير، سجَّلت (سلام) أكثر من 20 حالة منع من السفر لنشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان لأسباب غير معلومة بشكل يخالف ما نص عليه دستور البحرين للعام 2002 في المادة (19) من أنه “لا يجوز القبض على إنسان أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون وبرقابة القضاء”، فضلاً عما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (13)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة (12) من ضمان “حق كل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه”.
17.2. من أبرز تلك الحالات المسجلة منع الوفد الأهلي من السفر للمشاركة في الدورة 32 لمجلس حقوق الإنسان، حيث تم توجيه بعضهم للنيابة العامة، والبعض الآخر إلى إدارة شؤون الجنسية والجوازات والإقامة، إلاَّ أن مراجعاتهم أسفرت عن عدم وجود أي قرار أو حكم قضائي يمنعهم من السفر.
17.3. ويظهر من حالات المنع، أن السلطة البحرينية لديها قائمة غير معلنة للأشخاص الذين اعتادوا السفر لممارسة أنشطة تتعلق بحرية التعبير خارج البحرين بصفتهم السياسية أو الحقوقية، أو لو لمجرد الإشباه بأنهم قد مثل تلك الأنشطة، التي تصنفها السلطة البحرينية “إضراراً بسمعتها، وتدخلاً في شؤونها”.
17.4. إضافة لحالة الوفد الأهلي، تبرز حالة الصحفية نزيهة سعيد، مراسلة قناة فرانس 24 وإذاعة مونتي كارلو الدولية. لقد مُنعت نزيهة من السفر إلى دول أوروبا لقضاء إجازتها، وذلك في تاريخ 28 يونيو 2016. وحين قامت مراجعة شؤون الجنسية والجوازات والإقامة والنيابة العامة ومكتب التحقيقات الجنائية، نفت جميع تلك المؤسسات وجود أي حظر رسمي لمغادرتها البلاد، الأمر الذي دفعها لمحاولة السفر مرة أخرى، ولكنه تم منعها مجدداً، وهو ما دفع منظمة مراسلين بلا حدود لإدانته. وإلى تاريخ 17 يوليو 2016، قامت النيابة العامة باستدعاء نزيهة ووجهت لها تهمة “ممارسة العمل الإعلامي دون الحصول على تصريح”.
17.5. لقد استخدمت السلطة المنع من السفر، في الماضي، كأداة للحد من أنشطة المدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم ولكن على نطاق محدود، إلاَّ أنَّها المرة الأولى التي تنتهج فيها السلطة هذا السلوك بنحو جماعي، وبدون أي قرار أو حكم قضائي.
17.6. ومن اللافت جداً، أن تبدي المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان قلقها جراء “تزايد معدلات قرارات المنع من السفر جواً وبراً لعدد من المواطنين رغم عدم استدعائهم من أي جهة قضائية”، وهو أمر إيجابي، إلاَّ أنها لا تبدو قلقة بشأن الأحداث الأخرى التي تبدو أشد وطأة، وأكثر جسامة على حقوق الإنسان في البحرين.
ضرب جذور المعارضة:
18. لطالما دأبت السلطة البحرينيةُ استهدافَ الحريات الدينية للمسلمين الشيعة بسبب آرائهم السياسية وانتماء غالبيتهم لجماهير المعارضة، حيث “صارت ضريبة انتمائهم السياسي المعارِض تُدفع من خزانة انتهاك حرية الدين أو المعتقد”. إن الإجراءات القمعية الأخيرة تبدو متطابقة للغاية مع هذا التوصيف الذي أثبتت صحته (سلام) في تقارير سابقة. (أنظر تقرير الأغلبية المقهورة، وتقرير انتهاكات الحريات الدينية في البحرين لفترة موسم عاشوراء 2015)
19. فإذا كان تعليق نشاط جمعية الوفاق وإغلاق مقارِّها يمكن قراءته في إطار تشذيب أنامل المعارضة الذي الذي يتمظهر في الحظر الشامل للتظاهرات واستهداف النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، رغم أنه تطور مفاجئ، إلاَّ أن حل جمعية التوعية، وتجريد آية الله قاسم من جنسيته كان أكثر من مفاجئ، ولم يكن تطوراً منطقيّاً في سياق الأحداث آنذاك. الأمر الذي جعل وقْع تلك التطورات “وقْع الصاعقة”، وأوحى “شعوراً عميقاً بأن الطائفة (الشيعية) برمَّتها مستهدفة في وجودها وتأريخها وهويتها وشعائرها”، كما يقول الشيخ محمد صنقور في أول صلاة جُمُعة بعد تعطيلها لأسابيع.
20. حل جمعية الوفاق الوطني الإسلامية:
20.1. بعد أقل من نصف ساعة من رفع وزارة العدل دعوى مستعجلة لحل جمعية الوفاق الوطني الإسلامية في تاريخ 14 يوينو 2016، قضت محكمة مدنية بغلق مقار الجمعية، والتحفظ على جميع حساباتها وأموالها الثابتة والمنقولة، وتعليق نشاطها، وتعيين مكتب الجمعيات السياسية بوزارة العدل حارساً قضائياً عليها، لحين الفصل في القضية، وحددت تاريخ 6 أكتوبر 2016 للنظر فيها.
20.2. ولاحقاً، استجابت المحكمة لطلب وزير العدل باستعجال نظر دعوى حل الجمعية لمرتين متتاليتين، (الأولى) من تاريخ 6 أكتوبر 2016 إلى تاريخ 23 يونيو 2016، و(الثانية) من تاريخ 4 سبتمبر 2016 إلى تاريخ 28 يونيو 2016.
20.3. في جلسة 28 يونيو 2016، أعلنت هيئة الدفاع انسحابها من الدعوى، لعدم تمكينها من دخول مقرات الوفاق للحصول على الأوراق اللازمة لإعداد دفاعها، بالإضافة إلى تحديد تاريخ 4 يوليو 2016 لإعداد ذلك الدفاع، إذْ “ترى أنه من المستحيل عليها أداء مهمتها بشكل قانوني مهني، في ظل الموعد القصير جدّاً”. وإلى تاريخ 17 يوليو 2016 قضت المحكمة “بحل الجمعية، وتصفية أموالها وأيلولتها خزينة الدولة”.
20.4. وفقاً لصحيفة الدعوى، فإن جمعية الوفاق منذ تأسيسها سعت “بشكل منهجي لعدم احترام الدستور والطعن في شرعيته”، و”تحبيذ العنف وتأييد الجماعات الإرهابية”، “استدعاء التدخلات الخارجية، و”الطعن في شرعية السلطة التشريعية”، و”المساس بالسلطة القضائية”، “اعتماد الجمعية للمرجعية السياسية الدينية واستخدام دور العبادة لممارسة النشاط السياسي”، “الدعوة للخروج على حكم القانون”.
20.5. إن الاتهامات التي ساقتها وزارة العدل، وشكَّلت أساس الحكم لوقف نشاط الجمعية وحلِّها لاحقاً، لم تستند على أية أفعال أو أنشطة أخرى قامت بها الجمعية، وإنما كانت خطابات وتصريحات مارستها الجمعية في إطار اشتغالها كأكبر حزب سياسي في البحرين، ما يجعل محاكمتها قائمة على محاكمة آرائها وتقاطعها بصورة واضحة مع حرية الرأي والتعبير التي نصَّ عليها الإعلان العالمي والعهد الدولي الخاص بحقوق المدنية والسياسية في (المادة 19)، فضلاً عمَّا أقره دستور مملكة البحرين في (المادة 23).
20.6. ويتضح ذلك مما قررَّته المحكمة من أن الجمعية “انحرفت في ممارسة نشاطها السياسي إلى حد التحريض على العنف وتشجيع المسيرات والاعتصامات الجماهيرية، بما قد يؤدي إلى إحداث فتنة طائفية في البلاد، فضلاً عن انتقادها أداء سلطات الدولة، سواءً التنفيذية أو القضائية أو التشريعية”، وذلك عبر موقعها الإلكتروني، حيث دأبت على الطعن في شرعية الدستور من خلال وصف الدولة بأنها “تعيش بلا دستور وخارجة عن العقد الاجتماعي والشرعية فيها معلقة”، وأن “غالبية شعب البحرين ترفض دستور 2002”. كما أيَّدت العنف من خلال “نشرها صور إرهابيين يحملون أدوات حادة باعتبارهم متظاهرين سلميين يتعرضون للقمع”، وتضامنت “مع أحد المحكوم عليهم في تهم التحريض على كراهية نظام الحكم والدعوة إلى إسقاطه وإهانة القضاء والسلطة التنفيذية”. كما قامت الجمعية باستدعاء التدخل الخارجي في العديد من مواقفها، طالبة من المجتمع الدولي التدخل، وأن “يلعب دوراً نشطاً في موضوع البحرين كما لعب دوراً إيجابياً في ملفات عدة بالمنطقة”، وطعنت في شرعية السلطة التشريعية، لأنها اعتبرت أن “البرلمان لا معنى لوجوده، بل لا شرعية لوجوده”. كما جعلت الجمعية من دور العبادة منابر سياسية، من خلال الخطب التي يلقيها أمينها العام بصفته الدينية. بالإضافة إلى دعوات “للإمتناع عن التبضُّع وكل معاملات التسوق والمعاملات الرسمية والتزود بالوقود” احتجاجاً على محاكمة أمينها العام.
20.7. وعلاوة على ما مضى، فإن محاكمة جمعية الوفاق شابتها عدد من المخالفات التي يمكن اعتبارها مخلَّة بضمان الحصول على محاكمة عادلة؛ إذْ رفضت المحكمة طلب هيئة الدفاع أجلاً للإطلاع على صحيفة الدعوى للرد عليها، وذلك بعد أقل من نصف ساعة من تبليغ الجمعية بالدعوى المرفوعة ضدها. كما رفضت المحكمة تمكين هيئة الدفاع من دخول مقرات الجمعية للحصول على الأوراق اللازمة لإعداد دفاعها.
20.8. وفي شأن نظر الدعوى بشكل مستعجل، فإذا كان الفصل في المسائل المستعجلة، حسب رأي المحكمة، يتطلب توافر ركني الجدية والاستعجال -حيث يعني (الأول: الجدية) “قيام الطعن على أسباب جدية من حيث الواقع والقانون”، ويعني (الثاني: الاستعجال) “وجود خطر داهم يهدد حقاً ظاهراً يُخشى عليه من فوات الوقت”-فجلي أن ركن الاستعجال يشوبه سوء تقدير من المحكمة على الأقل، إذْ لا وجود لخطر داهم “يُخشى عليه من فوات الوقت”، حيث أن الاتهامات المساقة للجمعية، حسب زعم وزارة العدل، منذ تأسيسها في العام 2001، ولكنه لم يتحقق هذا الخطر المزعوم منها.
20.9. ومن ناحية أخرى، فإن الحكم بغلق مقار الجمعية وتعليق نشاطها لحين الفصل في القضية، لا يعني التصرف في الموجودات الثابتة مثل المباني واللوحات التعريفية وما شابه، إلاَّ أن يصدر الحكم النهائي، وهو ما لم تلتزم به السلطات، حيث أقدمت على إزالة اللوحات التعريفية وأعلام الجمعية!.
21. حل جمعية الرسالة و التوعية الإسلامية:
21.1. في تاريخ 14 يونيو 2016، صدر قرار عن وزير العمل والتنمية الاجتماعية بحل جمعيتي الرسالة والتوعية الشيعيَّتان، بزعم تورطهما في “وقائع تشكل جرائم تلقِّي وجمع أموال بطرق غير مشروعة على خلاف أحكام القانون، وجرائم غسل الأموال”.
21.2. وحسب ما صرَّحته به النيابة العامة لوسائل الإعلام، في تاريخ 16 يوليو 2016، فإنها أنجزت تحقيقاتها في تلك الوقائع، وأحالت منها 3 قضايا بينها قضية جمعية التوعية، حيث أسندت النيابة إلى إلى رئيس الجميعة الشيخ باقر الحواج، ونائبه الشيخ جاسم المطوع تهماً بـ”جمع الأموال بغير ترخيص”.
21.3. وفي معرض ردِّه على التهم الموجهة إليه، قال الحواج إن جمعيته “تحصل على الأموال عن طريق الإيجارات وعملية جمع التبرعات بترخيص من وزارة العمل والتنمية الاجتماعية”، وأنها “ملتزمة بعملية التدقيق الحسابي من قبل إحدى الشركات المعترف بها.. بإشراف وزارة العمل والتنمية الاجتماعية”.
21.4. وحسب ما اطلعت عليه (سلام) فإن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لم تشكُ أو تنبه الجمعية بشأن أي مخالفات لها بهذا الشأن منذ إعادت افتتاحها فعلياً في العام 2009.
21.5. يشار إلى أن المحكمة الصغرى الجنائية قد شرعت في محاكمة الجمعية بتاريخ 2 أغسطس 2016، وحتى الآن لم يصدر حكم فيها.
22. تجريد آية الله قاسم من جنسيته:
22.1. في الوقت الذي زعمت النيابة العامة تورط جمعية التوعية في “جرائم جمع أموال دون ترخيص وغسلها”، قالت النيابة أن تحقيقاتها أسفرت عن رجل دين (في إشارة إلى آية الله قاسم) ثبت لديه “وجود أموال طائلة في حساباته الشخصية”، جمعها بدون ترخيص، وأنه تمكن من إرسال مبالغ مالية لجهات ومنظمات أجنبية مناهضة للبحرين، واضطلع “بدور سياسي مؤسسي بصبغة دينية”.
22.2. لم يمضِ أسبوع عن تحقيقات النيابة، حتى قالت وزارة الداخلية أنه تم إسقاط الجنسية عن آية الله قاسم؛ لأنه أسس “تنظيمات تابعة لمرجعية سياسية دينية خارجية”، و”لعب دوراً رئيسياً في خلق بيئة طائفية متطرفة”.
22.3. وإلى 16 يوليو 2016، فإنه من بين 3 قضايا أحالتها النيابة العامة للمحكمة بشأن “جرائم جمع أموال بطرق غير مشروعة وغسل الأموال”، كانت إحداهن تتعلق بما أسند إلى 3 متهمين (في إشارة إلى آية الله قاسم، واثنين من العاملين في مكتبه)، “ثبت لدى النيابة ارتكابهم جريمتي جمع الأموال بغير ترخيص، وغسل الأموال”.
22.4. وتبعاً للمعلومات التي تحصلت عليها (سلام)، فإن الأموال التي عنَتْها النيابة العامة هي أموال “الخمس”. ويمكن تعريف “الخمس” بأنه فريضة/ ضريبة ماليَّة دينية يختص بها المسلمون الشيعة وتعترف بها الدولة، ويقوم بإدارتها علماء الشيعة وصرفها على الفقراء والمحتاجين والمؤسسات والمشاريع الدينية للطائفة، بحكم وظيفتهم الدينية. لأجل ذلك كان رد كبار علماء الطائفة حازماً، حيث اعتبر “أية محاولةٍ لفرض وصاية رسمية أو شبه رسمية على فريضة الخمس تشكِّل مساساً صارخاً بالخصوصية المذهبية”، و”إنَّ إخراج الخمس (…) ليس جمعاً للمال وإنَّما أداءٌ لفريضة دينية”.
23. يشار إلى أن المحكمة الكبرى الجنائية، في تاريخ 28 يوليو 2016، شرعت في أولى جلسات محاكمة آية الله قاسم مع آخرين بتهم. وفي تاريخ 5 أغسطس 2016، أصدر وزير الداخلية قراراً بشأن تحديد الضوابط والإجراءات اللازمة لتنفيذ بعض أحكام قانون الجنسية، وقد جاء في بعض مواده أن من أسقطت جنسيته البحرينية يعتبر أجنبيّاً ويتعين عليه تصحيح وضعه وفق قانون الأجانب خلال مدة لا تتجاوز 4 أسابيع من تاريخ سقوط، وما يعني احتمال ترحيل آية الله قاسم خلال شهر أغسطس كحالة عالم الدين البارز الشيخ حسين النجاتي.
24. إن تجريد آية الله قاسم من جنسيته، وحلِّ جمعية الوفاق الوطني (السياسية) وجمعية التوعية (دينية)، تنظر إليه (سلام) كمحاولة لسحق المعارضة من بوابة الطائفة الشيعية، وهو أمر تنبَّهت له الطائفة وكبار علمائها مبكراً، وعبرت عنه في أكثر من مناسبة. أبرز تلك المناسبات، ما عبَّر عنه كبار علماء الطائفة، في تاريخ 18 يوليو 2016، من أنهم “مستهدفون في وجودهم وهويتهم ومعتقداتهم وشعائرهم وفرائضهم”.
25. وفي هذا الشأن، تذكِّر (سلام) بما عُرف بـ “تقرير البندر”، الذي كشف عن تورط أجهزة الدولة ومؤسساتها في إعداد مخطط لاستهداف الشيعية وإضعاف المعارضة. إن هذا التقرير يكشف طموح السلطة، منذ العام 2006، ويبدو أنه دخل في مراحله الأخيرة من وجهة نظر المخطِّطين له.
موقف السلطة البحرينية من آراء المجتمع الدولي:
26. منذ بداية يونيو 2016 حتى كتابة هذا التقرير، توالت على السلطة البحرينية انتقادات حادة من المجتمع الدولي جرَّاء الحملة المسعورة الأخيرة لسحق المعارضة. أبرز تلك الانتقادات ما جاء عِبْر للأمم المتحدة من إدانة لتغليظ عقوبة الأمين العام لجمعية الوفاق، والتعبير عن القلق إزاء إعادة اعتقال نبيل رجب، ومنع المدافعين عن حقوق الإنسان، وحل جمعية الوفاق، بالإضافة إلى تجريد آية الله قاسم من جنسيته. فضلاً عن خطاب المفوض السامي في الدورة 32 لمجلس حقوق الإنسان، التي ذكر فيه أنه “تم توثيق ما لا يقل عن 250 حالة إسقاط جنسية في البحرين بتهمة خيانة الوطن، ناهيك عن القيود الشديدة التي تفرضها حكومة البحرين على الحق في حرية التعبير، بما يتعارض مع تعهداتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولايزال قرار منع التجمع في العاصمة (المنامة) سارياً حتى الآن منذ العام 2013”.
27. رغم شدة تلك الانتقادات، إلاَّ أن السلطة لا يبدو أنها عابئة بها؛ بل على العكس، لقد عمدت إلى مهاجمتها بنحو غير مسبوق، ويظهر ذلك جيداً من التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية البحريني، حين رأى “أن الأمم المتحدة (وليست بلاده) تمر في مرحلة دقيقة تتطلب تكاتف الجهود لإصلاحها”. ويبدو أن حدة هذه المهاجمة بلغت ذروتها، حيث قال أن بلاده في لن تضيع وقتها “بالاستماع لكلمات مفوض سام لا حول له ولا قوة”.
28. وحسب رصدته (سلام) من التصريحات الرسمية المصاحبة للإجراءات القمعية الأخيرة، فإنه بالتوازي مع الرسائل التي حرصت السلطة البحرينية على إيصالها للخارج، كانت رسائلها للداخل شديدة الوعيد والتهديد، وأكثر مكابرة بأن “ما تم اتخاذه من إجراءات للحفاظ على أمن واستقرار الوطن لا رجعة فيه”، كما وصف رئيس الوزراء البحريني في تاريخ 18 يوليو 2016.
النتائج والتوصيات:
29. يخلص هذا التقرير إلى إن القمع المفتوح ضد المعارضة، والمتصاعد منذ نهاية 2014، لم يُأتِ أُكُلَه بالنسبة للسلطة على ما يظهر، لذلك تعتقد أنها بحاجة للمزيد من الإجراءات لوأْدِ المعارضة أو ما تبقَّى منها. وتبعاً للوقائع والمجريات التي رصدتها ووثقتها (سلام)، منذ نهاية مايو حتى نهاية يوليو 2016، أقدمت السلطة البحرينية على حزمة من الإجراءات يبدو أنها متعارضة مع الحق في حرية التعبير والحق في حرية الدين والمعتقد بهدف وأْدِ المعارضة. وفيما يأتي نتائج التقرير:
29.1. عمدت السلطة البحرينية لإسكات وترهيب النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان وعلماء الدين، ومنعتهم من ممارسة أنشطتهم الهادفة لتعزيز حقوق الإنسان أو لمجرد ممارسة حرية التعبير، وذلك عبر الملاحقات القضائية أو السجن أو التضييق والمنع من السفر.
29.2. قامت السلطة البحرينية بحلِّ جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (سياسية/ شيعية) وفق اتهامات تتعلق بحرية التعبير وممارسة العمل السياسي المعارِض السلمي، ودون تقديم أدلة ذات مصداقية بشأن اضطلاع الجمعية بأييد العنف.
29.3. حلَّت السلطة البحرينية جمعيَّتين دينيَّتين للطائفة الشيعية وجرَّدت زعيمها الروحي آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم من جنسيته، وفق اتهامات بجمع أموال دون ترخيص وغسلها، بشكل يتناقض وحرية الدين والمعتقد.
29.4. لم تكترث السلطة البحرينية لانتقادات المجتمع الدولي، الأمر الذي يشكِّل مصدر قلق لقيامها بمزيد من الإجراءات القمعية التي تهدد بتجريم العمل السياسي المعارِض.
30. وعليه فإن (سلام) توصي بما يلي:
30.1. نحث السلطة البحرينية للتراجع الفوري عن إجراءاتها القمعية الأخيرة، وتوفير بيئة آمنة لعمل النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني.
30.2. ندعو المجتمع الدولي للقيام خطوات حازمة وجادة للضغط على السلطة البحرينية للتراجع عن إجراءات القمعية، والعودة إلى الحوار مع أقطاب المعارضة.

This entry was posted in Uncategorised. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your e-mail address will not be published. Required fields are marked *