حول واقعة وفاة الشاب البحّار عبدالله حسن يوسف في البحرين

منظمة سلام: نطالب بحماية الشهود والأدلة وتحقيق مستقل في ملابسات الحادث

تتابع منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان بقلق بالغ التطورات الأخيرة المتعلقة بواقعة وفاة الشاب البحّار عبدالله حسن يوسف في عرض البحر في البحرين، وما رافقها من تناقضات في روايات وسردية الجهات الرسمية، المتمثلة في وزارة الداخلية والنيابة العامة من جهة، وتجاهل الإفادات وأقوال الشهود من جهة أخرى، والتسرع في إصدار الإدانات قبل انتهاء التحقيق والبحث والتحري.

أصدرت النيابة العامة في تاريخ 23 أكتوبر 2025 بيانًا يمكن وصفه بأنه غير مهني، متسرع، ومنحاز لرواية وزارة الداخلية، قالت فيه على لسان نائب رئيس نيابة محافظة المحرق: “عندما صدر الأمر للمتهمين بالتوقف حاولوا الفرار، وحينها انحرف قاربهم باتجاه قارب قيادة خفر السواحل واصطدم به”، (1) وأمرت بالبحث عن المفقود وحبس اثنين من المتهمين، وإخلاء سبيل القاصر عبدالله البحراني (16) سنة، ولم تأمر بحبس أو التحقيق مع أفراد وزارة الداخلية الذين كانوا على متن قارب خفر السواحل.

لقد أظهرت النيابة العامة إنحيازاً صريحاً لصالح وزارة الداخلية منذ اللحظات الأولى للإعلان عن القضية، ما يفقدها صفة الحياد والاستقلال الواجب توفرهما في جهة الادعاء (2). وعليه، تدعو منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان المجلس الأعلى للقضاء إلى تعيين هيئة مستقلة لتولى ضمان حسن سير القضية، بإسناد كامل إجراءات التحقيق، بما يشمل التحقيق مع النيابة العامة نفسها حول شبهات التواطؤ والتقصير وإخفاء أو تزوير الأدلة، وحماية الأدلة الجنائية وضمان الشفافية أمام الرأي العام، خصوصًا في ظل روايتين متناقضتين. رواية الذين كانوا مع الضحية عبدالله حسن يوسف تقول إن قارب خفر السواحل اصطدم واعتلى قاربهم، بما تسبب في سقوط الضحية في عرض البحر. [3]

من جهة أخرى، وفي تاريخ 23 أكتوبر 2025، خرج مسؤول أمني من خفر السواحل (الرائد طلال عجلان) بتصريح صحفي مرئي، قال فيه إن قارب الضحية اصطدم بقارب خفر السواحل بعد أن قطعوا الحبل وفقدوا السيطرة على قيادة قاربهم، ولكن في تناقض آخر، نفت النيابة العامة الاصطدام في بيان لها بتاريخ 28 أكتوبر 2025 “والتي أفادت أنه من خلال تحقيقهم قد ثبت من المعاينة خلو القارب تمامًا من ثمة تلفيات ومن أية آثار تشير إلى وقوع اصطدام فيما بين الزورق والقارب، سوى خدوش بسيطة وعلى مساحة محدودة في جانب زورق خفر السواحل، وهو ما يتعارض مع ما ذكره المتهمون من قدوم قارب خفر السواحل بسرعة عالية واصطدامه بهم واعتلائه قاربهم، مما نتج عنه سقوط المفقود”. [4]

كل من النيابة العامة ووزارة الداخلية أخلّ بمبدأ الحياد، بل وجزمت علنًا وزارة الداخلية في تاريخ 3 نوفمبر 2025، وقبل انتهاء التحقيق وصدور حكم الإدانة، بالتصريح التالي: “وإحالة المتسببين في وفاة المواطن ممن كانوا معه على القارب إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية”. [5]

الجزم بكونهم المتسببين في وفاة عبدالله قبل اكتمال التحقيق، بل وحتى عدم الأخذ بالشهادات الحية للشهود لتكون في محضر التحقيق، هو خرق واضح لقرينة البراءة ومبادئ العدالة، ويفرض خضوع الوزارة للمساءلة القانونية. كما أن عدم التحقيق أو استدعاء دورية خفر السواحل التي كانت متورطة في الحادث كمشتبه بهم يكرس مبدأ الإفلات من العقاب ويخلّ بمبدأ العدالة والتحقيق الشفاف والموضوعي.

كما لا بد من التذكير بالمعايير الدولية الخاصة بقانون البحار التي تنص على كيفية التعامل المتدرج حتى مع البحارة المخالفين، من خلال عدد من الإجراءات مثل الإنذارات الضوئية والشفهية قبل أن يتم استخدام أي شكل من أشكال القوة، وحول قوانين الأمم المتحدة المتعلقة بعدم جوازية استخدام القوة التعسفية، والتدرج في استخدام القوة بما تنص عليه معايير الأمم المتحدة حول مدونة قواعد سلوك موظفي إنفاذ القانون.

تؤكد منظمة سلام على ضرورة صون الأدلة الحاسمة من العبث أو الإخفاء، وعلى رأسها تقرير تشريح الجثة والتقرير الفني، كما يجب نشر نتائجه بشكل علني، وإشراف لجنة طبية جنائية مستقلة على كامل إجراءات الطب الشرعي. الجدير بالذكر أن أحد أهم الأدلة هي التسجيلات المصورة للواقعة، ولذا فإن المقاطع المرئية المجتزأة التي نشرتها وزارة الداخلية هي مقاطع مضللة للوصول إلى الحقيقة وتُعتبر شبهة جنائية. وعليه، تطالب منظمة سلام بالتحفظ القضائي على كامل مواد التصوير المرئي، وبثها غير المجتزأ في نفس المنصات الرسمية التي بثّت المقاطع المنتقاة سابقًا.

تطالب منظمة سلام بحماية الشهود في هذه القضية من حملات الانتقام، خصوصًا بعد أن أفادوا بشهاداتهم في العلن، وهو ما قد يعرّضهم لعواقب، وخصوصًا مع بيان وزارة الداخلية الأخير الذي حوّل الشهود إلى “متسببين”، وتخشى المنظمة أن هذا الاتهام بتحويل الضحية إلى جاني هو نتيجة الشهادة التي أدلوا بها خلال اتصالات من السجن وانتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي.

في الختام تؤكد منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان أن تحقيق العدالة في هذه القضية لن يتحقق إلا من خلال تحقيق شفاف، جاد، ومستقل، يكشف الحقيقة كاملة، ويحاسب المتورطين أياً كانت مواقعهم الوظيفية أو المؤسسية. كما تدعو المجتمع الدولي والآليات الأممية المعنية إلى متابعة القضية عن كثب، ضمانًا لحقوق الضحية وعائلته، ومنعًا لتكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً.

1- تصريح النيابة العامة
  • ‏https://x.com/bppbahrain/status/1981354556060532800?t=nBfzJ1hMCkmOTlyEq7jrBg&s=19
2-بيان منتدى البحرين لحقوق الإنسان بشأن الحادث البحري وفقدان أحد المواطنين
  • ‏https://bfhr.org/article.php?id=1233&cid=4
3- إفادة القاصر – عبدالله البحراني
  • ‏https://www.instagram.com/reel/DQMrkwYDEHP/?igsh=MWJtY3VxYm92dXhlNA==
4- تصريح مرئي لضابط من وزارة الداخلية
  • ‏https://www.instagram.com/reel/DQSMbCuDIRM/?igsh=MWtqeXR3czgxeDc3cg==
5- بيان وزارة الداخلية بتاريخ 3 نوفمبر
  • ‏https://t.co/3uSqXGrwBw?s=09
6- مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين للأمم المتحدة ( حقوق الإنسان)
  • ‏https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/code-conduct-law-enforcement-officials
7- اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار
  • ‏https://www.un.org/depts/los/convention_agreements/texts/unclos/unclos_a.pdf